الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

467

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الشمس الحارقة ، بعد أن توضع فوق صدرها صخرة كبيرة . وفي تلك اللحظات الأخيرة كانت امرأة فرعون بهذا الدعاء إذ قالت : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين وقد استجاب لها ربها وجعلها من أفضل نساء العالم إذ يذكرها في صف مريم . في رواية عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران ، وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون " ( 1 ) . ومن الطريف أن امرأة فرعون كانت تستصغر بيت فرعون ولا تعتبره شيئا مقابل بيت في الجنة وفي جواره تعالى ، وبذلك أجابت على نصائح الناصحين في أنها ستخسر كل تلك المكاسب وتحرم من منصب الملكة ( ملكة مصر ) وما إلى ذلك . لسبب واحد هو أنها آمنت برجل راع كموسى . وفي عبارة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين تضرب مثلا رائعا للمرأة المؤمنة التي ترفض أن تخضع لضغوط الحياة ، أو تتخلى عن إيمانها مقابل مكاسب زائلة في هذه الدنيا . لم تستطع بهارج الدنيا وزخارفها التي كانت تنعم بها في ظل فرعون ، والتي بلغت حدا ليس له مثيل . لم تستطع كل تلك المغريات أن تثنيها عن نهج الحق ، كما لم تخضع أمام الضغوط وألوان العذاب التي مارسها فرعون . وقد واصلت هذه المرأة المؤمنة طريقها الذي اختارته رغم كل الصعاب واتجهت نحو الله معشوقها الحقيقي . وتجدر الإشارة إلى أنها كانت ترجو أن يبني الله لها بيتا عنده في الجنة لتحقيق بعدين ومعنيين : المعنى المادي الذي أشارت إليه بكلمة " في الجنة " ، والبعد المعنوي وهو القرب من الله " عندك " وقد جمعتهما في عبارة صغيرة

--> 1 - الدر المنثور ، ج 6 ، ص 246 .